السرخسي

158

المبسوط

فارق الوصية وبهذا تبين ان الاستحقاق ليس بالعقد وإذا كان دم العمد بين رجلين فعفى أحدهما فلا قود على القاتل لما روي أن هذه الحادثة وقعت في زمن عمر رضي الله عنه فشاور فيها ابن مسعود فقال أرى هذا قد أحيا بعض نفسه فليس للآخر أن يتلفه فأمضي عمر رضي الله عنه القضاء على رأيه وهو المعني فان العافي أسقط حقه وهو من أهل الاسقاط فصح اسقاطه وباسقاطه حق بعض نفس القاتل والآخر يعجز عن استيفاء حقه لان القتل لا يحتمل التجزء في نفس واحدة استيفاء ثم القصاص في نفس واحدة كما لا يتجزأ وجوبا لا يتجزأ سقوطا وإذا ثبت أن الآخر تعذر عليه استيفاء حقه قلنا إنما تعذر استيفاؤه لمعنى في القاتل وهو مراعاة الحرمة لبعض نفسه فكان في معنى الخطأ فيجب المال للآخر ولا يجب للعافي شئ لان تعذر استيفاء القصاص في حقه كان باسقاطه ثم للآخر نصف الدية في مال القاتل لان سببه العمد المحض ويكون في ثلاث سنين عندنا وقال زفر في سنتين لأنه ما وجب للآخر الا نصف الدية ونصف الدية يكون مؤجلا في سنتين كما لو قطع يد انسان ولكنا نقول حقهما في بدل النفس وبدل النفس مؤجل في ثلاث سنين إذا وجب بالقتل كالأب إذا قتل ابنه عمدا والذي وجب للآخر جزء من بدل النفس فكل جزء منه كذلك وإذا كان دم العمد بين اثنين فشهد أحدهما علي الآخر أنه قد عفى فهذا على أربعة أوجه ان صدقه في ذلك القاتل والمشهود عليه فللشاهد نصف الدية لان ثبوت العفو من الآخر بتصادقهما عليه كثبوته بالمعاينة وان كذباه في ذلك فللمشهود عليه نصف الدية ولا شئ للشاهد لأنه تعذر على المشهود عليه استيفاء نصيبه من القود لا لمعنى من جهته بل بشهادة الشريك عليه بالعفو وهو فيما يشهد به عليه متهم فيكون كاذبا في حقه ويجعل ذلك بمنزلة انشاء العفو من الشاهد فيسقط حق الشاهد ويجب نصف الدية للمشهود عليه وان صدقه القاتل وكذبه المشهود عليه فلكل واحد منهما نصف الدية في مال القاتل اما المشهود عليه نصف الدية لما قلنا فان القاتل والشاهد لا يصدقان عليه في اسقاط حقه وأما الشاهد فقد زعم أن نصيبه انقلب مالا بعفو شريكه وصدقه القاتل بذلك وأما إذا كذبه القاتل وصدقه المشهود عليه ففي القياس لا شئ لواحد منهما على القاتل لان حق الشاهد قد سقط بغير عوض فان شهادته بالعفو في حق من كذبه وهو القاتل بمنزلة انشاء العفو وأما المشهود عليه فلانه قد أقر بالعفو المسقط